دمشق-سانا
أبدع عازف البيانو الروسي ميخائيل موردفينوف في أمسيته التي قدمها أمس الأول في دار الأوبرا السورية إذ نوع بين مجموعة من المناخات الموسيقية مزاوجاً بين الأسلوب التعبيري لهايدن مع أغنيات (ليست) بتناغماتها الشعرية إضافة إلى الدرامية الواضحة في أعمال الروسي موسورغسكي رافق ذلك غنى في الأداء وحرفية عالية في نقل المشاعر المختبئة وراء كل مقطوعة.
افتتح موردفينوف الحفل بسوناتا لهايدن من مقام دو مينور وهي معروفة بأنها الأطول والأصعب من بين السوناتات المخصصة للبيانو حيث تظهر تطوراً تدريجياً متقناً في أسلوبها التعبيري الدرامي كما أنها تعتبر بحسب المختصين دليلاً ملموساً على تأثر هايدن بباخ وتبدأ هذه المقطوعة بعواطف متحفظة لكنها تتواصل بإيقاعات مكسرة لتتواصل في تصاعدها محققة تمايزاً لحنياً مميزاً.
أما مقطوعة (ست أغنيات) فقدمها العازف الروسي بإتقان محافظاً على التناغمات الشعرية التي تجعل آلة البيانو تغني من كثرة رقة النغمات وقدرتها العالية على التعبير ففي (أغنية فوق الماء) تكررت الكلمات والإيقاع في تشكيلات مكملة للبيانو ما بعث تأثيراً مثيراً للدهشة أما (إيمان الربيع) فهي أغنية ملأى بالفرح والأمل تقول.. كل شيء يتحسن حتى القلب الفقير المكسور سيشفى وينسى عذاباته في حين أن أغنيتي (الراهبة الشابة) و(سيرانادا) فتكسوهما العاطفة الغامرة والمؤلمة.
ينتقل بعدها (موردفينوف) في أغنيات (ليست) إلى سردية درامية بعنوان (الملك إيرل) حول أب يقود ابنه المريض عبر غابة وهنا يظهر الملك وهو مخلوق الغابة الأسطوري ويغري الطفل بمرافقته فيحتمي الطفل بوالده الذي لا يرى (الملك إيرل) ليفاجأ أثناء وصوله إلى المقهى بأن ما يحمله ليس سوى جثة هامدة والأغنية السادسة لـ (ليست) كانت بعنوان (السلام عليك يا مريم) وهي تحمل من العنفوان الديني الكثير وفيها روحانية خاصة من خلال الثناء لمريم عليها السلام.
وختم العازف الروسي أمسيته بلوحات من معرض (ذكرى فيكتور هارتمان) وهي متتالية في عشر حركات للبيانو لحنها المؤلف الروسي (موديست موسوغسكي) عام 1874 وتعتبر من مقطوعات الظهور لأداء عازفي البيانو الموهوبين وهي معروفة بتنويعاتها وبالتوزيعات الموسيقية الأخاذة التي قام بها العازفون من مختلف أنحاء العالم ومنهم (رافيل).
وجاءت هذه المقطوعة غنية بالتناغمات اللحنية إذ إنها تعكس العلاقة التي ربطت (موسورغسكي) بالنحات (هارتمان) بعد أن وافت المنية الأخير عام 1873 عن عمر 39 عاماً وإثر معرض أقيم بعد وفاته في أكاديمية سانت بطرسبورغ انكب (موسورغسكي) ستة أسابيع متصوراً جولة خيالية بين قطع مجموعة فنية من تصميم (هارتمان) من مثل القزم.. القلعة القديمة.. تيليريوس.. بيدلو.. باليه صيصان لم تفقص بعد.. سوق في مدينة ليموج.. سراديب الموتى.. الساحرة وغيرها.
وركز (موردفينوف) في هذه المقطوعة على درامية الحركة بحيث صور عبر حركات متتالية تقدم المشاهد أثناء تجواله في المعرض وذلك عبر التأكيد بالإيقاعات المستخدمة على حركة المشي والتنوع في المزاج لتتصاعد الجمل اللحنية لاسيما في (سراديب الموتى) و(المقبرة) والذروة تتجسد في ختام المتتالية التي حملت عنوان (البوابة العظيمة).
يذكر أن عازف البيانو الروسي (ميخائيل موردفينوف) من مواليد عام 1977 بدأ دروسه الموسيقية منذ السادسة ثم التحق بمدرسة غنيسين للموسيقا وبقي فيها أكثر من عشر سنوات وبعد تخرجه منها عام 1994 أكمل دراسته في أكاديمية غنيسن وتخرج منها عام 1999 بدرجة شرف وتابع دراسته العليا في جامعة هانوفر الألمانية وله العديد من الجوائز العالمية منها الجائزة الأولى في مسابقتي شوبان الدولية الثانية عشر في زفيكاو عام 1996 وشوبرت الدولية السادسة في دورتموند عام 1997.
بديع صنيج