حلب-سانا
يعتبر التراث الشعبي من العلوم الإنسانية المهمة الغاية من دراسته فهم الوظيفة النفسية والاجتماعية في حياة الإنسان التي يعبر عنها بطريقته وأسلوبه بشكل يعكس تطلعه وتفسيره للمجتمع الذي يعيش فيه ويشمل الفلكلور والمورثات الشعبية المتعلقة بالمعتقدات في المجتمع والعادات والتقاليد والقيم والأخلاق وطرائق العيش من جيل إلى آخر.
ويعرف التراث الشعبي بأنه كل ما يصدر عن الشعب ويعبر عن وجدانه ويمثل تفكيره ويعكس اتجاهاته ومستوياته الحضارية قديماً وحديثاً في مختلف الفنون الادبية وقد يستوعب الأمثال والحكم والأشعار والحكايات والاساطير والمعتقدات وغيرها من الفنون الشعبية.
ويقول الدكتور محمد عبد المحسن أستاذ الأدب العربي الحديث والدراسات العليا في جامعة حلب إن التراث الشعبي غير المادي الشائع في حلب يعد ثمرة لحياة المدينة والحضارات التي تعاقبت عليها واثرها في سكانها وعاداتهم وتقاليدهم مضيفاً أن تلك الحضارات اثرت في الأدب الشعبي الشائع وقدمت لنا صورة واضحة عن واقع المدينة و سكانها بأبعادها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
ويعتبر الدكتور المحسن التراث الشعبي تسجيلاً حياً للبيئة التي أنتجته وعليه ترتسم أكثر خصائصها أصالة و عمقاً و تمثيلاً للمواصفات الموجودة مبينا ان بعض الأمثال لدى السكان تلتقي مع غيرها من التراث العالمي كقولهم هذا كان بشبابه عكيد " ياما كرش الدورية "وتعني كرش بالسريانية "طرد" وأيضا قولهم أبرد من اليخ أي الثلج باللغة الفارسية وكذلك المثل الشائع " بارا جوق وعقل يوق" و تعني بالتركية مال كثير و عقل صغير فضلا عن تأثرهم بالغرب و استعارتهم عبارة "عم ببني طواحين بالهوا" وهو تعبير فرنسي وقولهم "كل الدروب بتودي لحلب " مستلهم من المثل الأوربي كل الدروب تؤدي إلى روما .
ويشير استاذ الادب العربي الحديث الى وجود الكثير من المأثورات التي يحسبها القارئ محلية يجدها منتشرة في معظم الأقطار العربية باللفظ والمعنى نفسه علما انها فصيحة لكن جرى عليها بعض التغيرات حيث نجد المثل الحلبي "لا تقول سمسم حتى ينحط بالعدل" يشبه قول المصريين "لا تقول فول حتى يصير بالمكيول" موضحا أن سبب اختلاف هذه المأثورات هو تنوع البيئة ما أدى إلى تنوع مقومات الإبداع الشعبي.
ويبين الدكتور عبد المحسن ان كثيرا ما يقتبس الحلبيون اقتباسا شبه حرفي من الشعر العربي مثل "فلان أشهر من نار على علم" مأخوذ من قول الخنساء في رثاء صخر و إن صخرا لتأتم الهداة به كأنه علم في رأسه نار مبينا أن المأثورات تجسد صورة حية لتفاعل التيارات الحضارية المختلفة حيث استطاعت اللهجة الحلبية بمرونتها استيعاب الجديد و بذلك استكمل التراث الشعبي مقوماته بوصفه أداة فنية قادرة على رسم أدق الخلجات الإنسانية و تصوير مختلف أنواع الحاجات المادية و المعنوية للحلبيين منوها بعدد من المؤلفات التي تحتوي مواد تراثية منها ما قدمه الجاحظ في كتابه البيان و التبيين و ابن قتيبة في مؤلفاته الحكاية و المحكي و تعبير الرؤية و عيون الأخبار .
ويشير عبد المحسن الى أن ما يميز المأثورات الشعبية في إطار الرؤية العلمية و الفنية قدرتها على الاستمرار في عملية الخلق و الإبداع مع تتابع الأجيال ما أدى إلى تحول الموروث الثقافي الذي يشكل في إطاره العام أحد قنوات المعرفة إلى مأثور ثقافي حي ومستمر موضحا أن أكثر ما يمثل التراث الشعبي القديم القصص الشعبية التي جسدت ملاحم الابطال من أمثال سيف بن يزن و عنترة بن شداد و الظاهر بيبرس و صلاح الدين الأيوبي.
ويلفت الى أن الاهتمام بتدوين التراث الشعبي و التذكير به و بفنونه و أصوله إنما هو مظهر راق من مظاهر النزوع الوطني و القومي وذلك من خلال الحفاظ عليه في عالم يهدد استمرارية الموروث الإنساني متطرقا الى عدد من الحكم التي أطلقها الحلبيون والعرب في آن مثل الجار قبل الدار والغربة كربة و الإنسان ابن يومه.
ويوضح استاذ الادب العربي أن أصالة الأدب الشعبي من القضايا الملحة في الثقافة الشعبية العربية التي كثيرا ما أهملت استنطاق المخزون التراثي و محاورته و تثمينه بسبب التعامل مع تلك الثقافة لأغراض نفعية فحسب و تناسي اثر الثقافة الشعبية المهمة في التنمية العربية و لاسيما الاستثمار الاقتصادي داعيا إلى تفعيل و تطوير الأنشطة التراثية وعدم الاكتفاء بتدوين العادات والتقاليد والأعراف والمهارات الشعبية والعمل على إعادة صياغة النصوص الإبداعية باعتبارها سلاحا وحصنا منيعا في وجه الثقافات الدخيلة و الوافدة.
تقرير: نهيل كورية