نيويورك-سانا
بين الرئيس الأمريكي باراك أوباما والأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون وتابعهما شيخ النفط حمد بن خليفة حضرت الأزمة السورية على منبر الهيئة الدولية الأعلى والأشمل فتلونت الكلمات بألوان المواقف السياسية وكانت الموضوعية النادرة في بعض الأحيان طريقا إلى التضليل وقول الحقيقة بكلمات قليلة سبيلا لسوق الاضاليل بإسهاب.
افتتاح أعمال الدورة السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك اليوم كان مناسبة ليتحدث الرجلان بالعديد من القضايا التي تشغلهما وطبعا كانت الأزمة السورية حاضرة بقوة فكانت رسائل أوباما للمعارضة برفض الحوار والإبتعاد عن الحلول السلمية قوية وبارزة فهو يؤكد أن "النظام السوري يجب أن ينتهي" وإذا كان الحال كذلك فلماذا على المعارضة أن تحاور من تصر الولايات المتحدة على إنهائه.
بهذه الدعوة المبطنة لرفض الحل والسير بالعنف إلى الحد النهائي لخص أوباما موقف بلاده مهددا بأن المزيد من العقوبات هو ما سيواجهه الشعب السوري في حال اصر على موقفه الداعم لحكومته في حربها ضد الإرهاب المدعوم خارجيا بدليل أن أوباما أعلن عن " تقديم المساعدة والدعم لمن يعملون من أجل المصلحة العامة" وكانت هذه المساعدات وصلت للمجموعات المسلحة التي التقتها وزيرة الخارجية الأمريكية في المخيمات التركية على شكل مناظير رؤية ليلية وتقنيات اتصال حديثة قالت حينها إنها " تؤمن لهم إمكانية أفضل للاتصال والحركة" لكنها يومها لم تشر إلى المصلحة العامة فاستدرك الأمر الرئيس اليوم.
المستقبل في سورية حسب أوباما يجب أن يكون للمجموعات الإرهابية المسلحة طالما أنه "لا يجب أن يكون للنظام" وهنا يتضح ما يريده أوباما فهو يريد حكاما في سورية يشبهون من يحكمون ليبيا اليوم.. فما أشبه من يقاتلون اليوم ضد الدولة السورية تحت راية الناتو باولئك الذين ادعوا الثورة في ليبيا وانتهى الأمر بهم إلى قتل السفير الأمريكي.
الغطاء الأمريكي بات جاهزا لإخفاء وجه من يقتلون الأطفال وينسفون البنى التحتية بعبوات حقدهم فالرئيس الأمريكي يتهم الدولة السورية بذلك وهذه القضية التي تستدعي الاحتجاج وليس الفيلم المسيء للإسلام حسب إشارته.
أوباما يعرف من يقتل الأطفال إذا فليخبر الرأي العام في سورية من فجر اليوم بالتحديد "عبوتين ناسفتين في مدارس أبناء شهداء الجيش العربي السوري" ومن "اطلق قذائف الار بي جي على المدارس في ريف دمشق قبل أسبوع" ومن حول المدارس في إدلب وحماه وحلب إلى مشاف ميدانية ومقرات لتعذيب المختطفين ونقاط انطلاق للعمل الإرهابي ضد الدولة السورية بكل مقوماتها.
وأحسن أوباما القول إلا أنه أساء النية بقوله إن " الولايات المتحدة تريد سوريا متحدة وجامعة لا يخاف فيها الأطفال من حكوماتهم ويكون لكل السوريين رأي في الطريقة التي يحكمون بها" فهو يتهم ضمنا الدولة ويبرئ المجموعات المسلحة ويتحدث بتفصيل عن مكونات الشعب السوري ليوحي للعالم بانه ملم بالقضية ولكن لماذا لم يعنه إذا صوت الملايين التي ملات الساحات تهتف للإصلاح ومكافحة الإرهاب أليس هؤلاء سوريين يحق لهم أن يقرروا مستقبل بلدهم أيضا.
المواربة كانت واضحة في حديث أوباما عندما تطرق للفيلم الأمريكي المسيء للإسلام فصدر القول لديه ينفيه العجز ولا يمكن فهم الموقف إذ اختلطت الرسائل الإنتخابية بالرسائل السياسية لمغازلة الجماعات الإسلامية التي اقتنصت السلطة في اكثر من بلد عربي برسائل الإستراتيجية عندما تحدث عن "عدوان بحق أمريكا" عندما قتل سفيرها في حادثة بنغازي.
الرئيس الأمريكي سيقبض على قتلة السفير كما قبض على مرتكبي تفجيرات (11) أيلول فالاستثمار السياسي لأي حدث بات ماركة أمريكية مسجلة وعلى الليبين الاستعداد لدفع ثمن الحرية التي وعدتهم بها واشنطن عبر الناتو "فالهجمات على مدنيينا في بنغازي كانت هجمات على أميركا ولاشك إننا سنتعقب القتلة دون هوادة" هكذا يحترم أوباما سيادة الدول الديمقراطية بأن يتعقب مواطنيها ولو كان ينظر بالفعل إلى أن ليبيا كدولة ذات سيادة لقال أن بلاده ستعمل على الأقل مع السلطات الليبية لمطاردة القتلة.
"الفيلم مثير للإشمئزاز لكنه ليس مبررا للعنف"وهذا متفق عليه فلا حاجة للعنف إن كانت القضية قضية فيلم ولكن عندما تتحول إلى سياسة دول قائمة على إهانة المقدسات كما أوضح أوباما فالأمر يختلف فالولايات المتحدة "لا تحظر الكفر بأقدس معتقدات أبنائها لأنه مهما بلغت درجة انحطاط أي "تعبير حر" عن الرأي يحميه الدستور الأميركي، فلا يمكن أن يبرر القتل والعنف".
إنها حرية التعبير إذا هي من علينا ان نقاتلها وليس من أنتج الفيلم هكذا يفهم كلام أوباما فالفيلم "مقزز" ولكن القانون لا يسمح بالحظر ومعاقبة من يسيء لمشاعر مليارات الناس وهنا يسأل المسلمون والعرب لماذا لا يكون هناك قانون يحمي ثقافتهم شبيه بقوانين ما يسمى "معاداة السامية" التي تحظى باهتمام بالغ في كل الدساتير الغربية.
أراد أوباما أن يترك شعرة بينه وبين الحركات الأصولية تسمح له بالتدخل في شؤون المنطقة فقال إن الفيلم "مقزز" وحرص على صورته الإنتخابية في الولايات المتحدة فقال "سنحترم دائما حرية التعبير" وأراد أن يحدد بوصلة العمل الإستراتيجي الأمريكي في الشرق الأوسط فقال إن ما ننهيه في افغانستان والعراق سنبدؤه في شمال افريقيا فالإرهاب بات هناك وعلينا التصدي له وعلى من له عقل أن يفهم كيف تتحول السياسة الأمريكية اليوم إلى المنافسة في الفضاء الأفريقي الذي يبدو خاليا من الإرادات السياسية المستقلة لتعويض خسائرها في الأماكن التي تنسحب منها.
الربيع العربي بات الشغل الشاغل لأوباما فهو يرصد تطوراته لحظة بلحظة الأمر الذي دفعه إلى القول أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة: " إن تقدما حصل منذ اندلاع ثورات الربيع العربي لكن الاضطرابات التي شهدها العالم الإسلامي مؤخرا أظهرت صعوبة تحقيق ديموقراطية حقيقية" ما يدعونا لنقوم جميعا بشكل صادق بمعالجة "التوترات بين الغرب والعالم العربي الذي يتحرك نحو الديموقراطية".
الحديث عن التقدم بات لزوم ما لا يلزم فالتقدم واضح في ليبيا واليمن إنه تقدم للقاعدة وفي مصر للإسلاميين الأصوليين والسلفيين وليس للديمقراطية أي صلة بهذا التقدم بل تنشيط الغرائز وممارسة أساليب الهيمنة الفكرية التي يدعي أوباما رفضها ولكن المضمون الأهم في كلام أوباما في هذا الخصوص هو الحديث عن توترات مع العالم الإسلامي والعربي إذا القضية ليست جزئية كما أراد أن يوحي بالنسبة لما جرى على الساحة الإسلامية خلال الأسبوعين الماضيين بل هناك رأي عام عربي وإسلامي لا يثق بالولايات المتحدة وهذا ما يريد أوباما حله وكان واضحا أن ما قيل عنه منذ حوالي عامين بانه ديمقراطية بمعنى "مؤسسات ديمقراطية" ليس كذلك بل هو فوضى خلاقة عارمة وكل يغني على ليلاه.
وبالانتقال إلى بان كي مون فإن للحديث طبيعة أخرى "فالكارثة السورية تهديد للسلام العالمي" هي كارثة اذا فلماذا لا تعلن الأمم المتحدة حالة طوارئء دولية وتسمي الأشياء بأسمائها وتحمل كل دولة أو جماعة مسؤوليتها ولماذا لاتقول صراحة إن إعلان وزراء خارجية بعض الدول الخليجية عن إرسال السلاح واحتضان تركيا للمجموعات المسلحة ومعظمها من الأجانب يشعل فتيل الأزمة ويدفع نحو الكارثة.
"الكارثة لها تداعيات عالمية ..إنها تهديد خطير ومتزايد للسلام والأمن الدوليين يتطلب اهتمام مجلس الأمن" عدنا إذا إلى المربع الأول فماذا كان مجلس الأمن يفعل طوال الوقت الماضي ألم يكن يتدخل ألم يصدر قرارين دوليين ألم تجتمع مجموعة الاتصال حول سورية وصاغت وثيقة جنيف ألم يات المبعوث الدولي كوفي عنان ثم تلاه الأخضر الإبراهيمي هل كل هذا كان عدم اهتمام ولماذا لم يتم تفعيل أي مبادرة وخاصة خطة جنيف التي وافق عليها الجميع بمن فيهم الحكومة السورية ولكن واشنطن نسفتها والمجموعات الإرهابية المسلحة أرادت التخلص منها لأنها تشكل بوابة الحل وهذا مالا يريده الارهابيون ومسلحوهم وممولوهم.
كي مون قال بخجل إن "مجموعات المعارضة تمارس اعمالا وحشية" لكن ذلك جاء في ذيل قوله" خروقات وحشية لحقوق الإنسان لا تزال ترتكب خصوصا من قبل الحكومة" هي محاولة للتملص من المسؤولية وتبرئة المجرم الحقيقي وإلصاق التهمة بالضحية ولماذا لا يصدر موقفا حيال رفض المعارضة الخارجية للحوار واصرارها على طلب السلاح ومطالبة الناتو بالتدخل عسكريا ومن الذي يدعو للحل العسكري وإلغاء الآخر هل هي الحكومة السورية أم أولئك الذين يدعون الديمقراطية والحرية.
وفي مغالطة أخرى اعترف كي مون أنه لابد من وقف تدفق الأسلحة لوقف العنف وصولا لحل الأزمة في سورية ولكن اعترافه هذا جاء بصيغة جواز السفر للوصول إلى ما هو اخطر من العنف نفسه إذ عاد إلى لغة الإقصاء عندما قال" يجب العمل لنضع حدا لأعمال العنف وتدفق الأسلحة إلى الطرفين للحصول على انتقال للسلطة في أسرع وقت ممكن" الهدف إذا ليس حل الأزمة بل انتقال السلطة أي أنه يصب في السلة الأميركية.
وكل ذلك يجب أن يتم بأيدي السوريين حسب كي مون ولكن لماذا لا تعمل الأمم المتحدة وقف تدفق الاسلحة والمسلحين إلى سورية وسنرى حينها ماذا سيقول السوريون ولماذا هذا الخوف من قبل المعارضة من أي اشارة للإنتخابات أو لتفعيل الآليات الديمقراطية أليس هذا دليلا على أنهم يريدون ديمقراطية الدبابة والطائرة الأمريكية على الطريقة الليبية.
وحبذا لو تكلم الأمين العام للأمم المتحدة بخصوص سورية كما تكلم بالنسبة للقضايا الدولية فالوضع "مقلق في منطقة الساحل الأفريقي ويتطلب تنسيق الجهود" و "الأسلحة في هذه المنطقة متوافرة بسهولة بينما من الصعوبة إيجاد فرصة عمل" والأزمة هناك لا تحظى باهتمام كاف ولا بالدعم" وبالفعل هذا ما يجب أن يحصل في سورية منع السلاح ومساعدة سورية اقتصاديا بدل معاقبتها وتأمين فرص عمل بدلا من معاقبة السوريين في الخارج لمواقفهم الوطنية وتنسيق الجهود بدل تعارضها ومساعدة الدولة والإهتمام لما تقول وليس إهماله.
" التطرف ينمو والفقر والضعف والجفاف والتوترات بين المجموعات تشكل تهديدا لاستقرار المنطقة بأكملها" أسباب عالمية لعدم الإستقرار وبالفعل تحتاج إلى حلول ولكن هذا الكلام لا يقال عن سورية فالحل في سورية دائما يكمن في "إسقاط الدولة السورية" وكأن الغرب لم يبدل عشرات الاأظمة في أفريقيا دون ان يخف العنف والتطرف لأن المشكلة قائمة في عدم التعاون الدولي مع الحكومات والصراع بين القوى الغربية على نهب الثروات وليست في الأنظمة.
وبالإنتقال إلى الملف النووي والتهديدات الإسرائيلية بشن ضربة عسكرية ضد إيران فان كي مون قد لا يكون مسؤولا عن ازدواجية المعايير الدولية لأنه مجرد موظف أممي وتحكمه ساسيات الدول ولكن يجدر به عند الحديث أن يراعي ألا يتساوى المعتدي مع المعتدى عليه فإيران هي من تتلقى التهديدات الإسرائيلية وترد عليها والبادئء بالتهديد ليس كمن يرد عليه ولذلك يرد على كي مون القول "نحن قلقون من التهديدات المتبادلة بين إسرائيل وإيران" لأنها ليست متبادلة فالفرق واسع بين من يمتلك السلاح النووي ومن لديه برنامج سلمي باعتراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومن يحضر لضربة عسكرية يريد معونة أمريكا فيها ليس كمن يقول بانه سيرد على أي عدوان وهنا الإزدواجية التي اعتدنا عليها.
"أرفض تهديد دولة لأخرى بعمل عسكري" موقف مسؤول للأمين العام للأمم المتحدة وهذا جوهر العمل الدولي ولكن لماذا لا ينطبق هذا الكلام على الدعوات من قبل بعض الدول الخليجية لتدخل عسكري في سورية والتهديدات الغربية بهذا التدخل.
وعندما يدعو الامين العام للامم المتحدة "القادة لخفض حدة التصريحات والتوتر بدلا من تأجيج المواقف" لتجنب الحروب فان عليه أن يقول صراحة من الذي يتحمل المسؤولية وخاصة أن ميثاق الأمم المتحدة يكفل لجميع الدول حق الدفاع عن النفس.
وإذا كان المجتمع الدولي يريد "عالما خاليا من الأسلحة النووية لأن العالم سيكون بخطر طالما أن هذه الأسلحة موجودة" فالأولى البدء بنزع الأسلحة الموجودة قبل معاقبة الدول التي تتهم بأنها تريد الحصول عليها مع أنها تنكر هذه النية فبدل محاسبة النوايا يجب البدء بالأفعال ومن المعروف أن السلاح النووي موجود في إسرائيل وليس في إيران وإذا كان مطلوبا من إيران اثبات سلمية برنامجها فان المطلوب من إسرائيل تفكيك أسلحتها.
شيخ النفط حمد كان متحفزا للإنتقام من سورية أكثر من سابقيه بسبب عقدة النقص لديه تجاه الحضارة السورية ما دفعه لطلب تشكيل قوة عربية عسكرية للتدخل في سورية قائلا " الأجدر أن تتدخل الدول العربية نفسها انطلاقا من واجبها سياسيا وعسكريا" والأمر هنا ينطوي على أمرين خطرين فالشيخ القطري لم يدع لتشكيل قوة عربية تعمل على تحرير القدس المحتلة بل أراد ضرب القوة العسكرية التي واجهت الإحتلال الإسرائيلي ممثلة بالجيش العربي السوري.
ومن جهة أخرى فان دعوة حمد لتشكيل قوة عربية لا تعدو كونها أمنية عرجاء فلا قوة لديه ولدى من يسير في ركابه من العربان قادرة على مواجهة كتيبة مدربة فكيف إذا كان جيشا بحجم الجيش العربي السوري وعقيدته التي جعلت الغرب نفسه الذي يتلقى حمد أوامره منه يخشى قوة سورية وجيشها ومؤسساتها.
حمد تحسر على السلام مع إسرائيل ودعا للحرب ضد سورية ليقدم شهادة حسن سلوك أمام مشغليه وتمادى في الحديث عن خصوصية المرحلة وخصوصية التجربة الديمقراطية وتجارب الأمم والشعوب التي لا تعرف عنها إمارته إلا بقدر ما يعرف هو عن علم الذرة.
وفي سعيه لاستجرار العدوان على سورية بالغ شيخ النفط في مدح نتائج الحرب العالمية الأولى كما اعتبر أن بوابة الديمقراطية الأمريكية كانت إبادة الهنود الحمر في دعوة مبطنة لإبادة السوريين في سبيل ديمقراطية الناتو وانتخابات الشيوخ سعيا لتحقيق الهدف الذي سبقه إليه أسياده وهو "ضمان انتقال السلطة" فالموضوع المشترك هو إسقاط الدولة السورية وليس تحقيق أي مصلحة للشعب السوري.
وللحرية الغائبة عن إمارته دائما حضور في كلام شيخ النفط فهو يريد الحرية للسوريين ويرفضها لشعبه رغم أن في سورية مجلس شعب منتخبا وحكومة تمثل كل أطياف الشعب السوري ودستورا عصريا يقوم على التعددية وهو ما يعتبر كفرا وزندقة في المشيخة القابعة خارج حدود التاريخ.