الشريط الإخباري

الهند ديمقراطية نابضة بالحياة ومجتمع تعددي.. بقلم: السفير إيه. آر. غانشيام

عبر معظم فترة الألفي عام من التقويم الميلادي كانت الهند أكبر اقتصاد يساهم بثلث الناتج العالمي وتتبع الأدلة الأثرية أصول حضارة وادي السند الهندية القديمة إلى الألفية الخامسة قبل التقويم الميلادي.

وخلال العصور الوسطى شهدت الهند أيضاً العديد من الإمبراطوريات المجيدة والحضارات العظيمة المنتشرة عبر ملايين الأميال تحت حكم الأباطرة المستنيرين.

في الربع الأخير من الألفية الماضية تعرضت الهند لتأثير شركة الهند الشرقية لمدة قرن تقريباً خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. بعد ذلك أجبر تمرد الجنود الهنود في عام 1857 البريطانيين على وضع الهند مباشرة تحت التاج البريطاني لمدة تسعين عاماً أخرى.

وعلى مدى قرنين تقريباً كانت الهند مرتبطة ببريطانيا العظمى لخدمة مصالح الإمبراطورية البريطانية فقط. هذا ومن بين جميع المستعمرات التي احتلها البريطانيون وسيطروا عليها واستفادوا منها بشكل كبير كانت الهند هي الأكبر والأغنى إلى حد بعيد وكان يشار إليها غالباً باسم “الجوهرة في التاج البريطاني”.

وقبل مغادرة الهند بشكل نهائي قام البريطانيون بتقسيم شبه القارة الهندية إلى دولتين في ثلاثة أقسام.. الهند وباكستان الغربية وباكستان الشرقية.

وكان عدد سكان الهند آنذاك 330 مليوناً وكان الناتج المحلي الإجمالي 2.7 تريليون روبية هندية أي فقط 3 بالمئة من الناتج الإجمالي العالمي. وهكذا فالبلد الذي كان يمثل ثلث الناتج العالمي لألفي عام من قبل قد جف من قبل أسياد الاستعمار.

الهند المستقلة..

شهدت الهند المستقلة سبع عشرة انتخابات برلمانية حرة ونزيهة مع خمسة عشر رئيساً للوزراء أمسكوا بزمام الأمور حيث ساهم كل منهم في نمو واستقرار وتنمية الأمة الهندية ومجتمعها واقتصادها. إن كيفية محاولة رؤساء وزراء الهند بناء الهند الحديثة من حطام حكم الإمبراطورية البريطانية لقرنين من الزمان هي في حد ذاتها قصة عظيمة وقد رواها العديد من المؤلفين الهنود والأجانب.

في السنوات الخمس والسبعين منذ الاستقلال تفاوضت الهند على رحلة صعبة وغادرة في بعض الأحيان مليئة بخمس حروب 1948 و1962 و1965 و1971 و1999 وتواجه تكرار الكوارث الطبيعية مثل الفيضانات والمجاعات والجفاف والأوبئة. كما تم اغتيال اثنين من رؤساء وزرائها المنتخبين بوحشية وتوفي ثالث في ظروف غامضة بعد توقيع اتفاقية وقف إطلاق النار في مدينة طشقند السوفييتية بعد حرب الهند وباكستان عام 1965. ولا تزال فترة 21 شهراً ما بين 1975- 1977 انحرافاً في ديمقراطية الهند التي لم تنقطع بخلاف ذلك عندما تم تعليق الحقوق الأساسية للمواطنين الهنود خلال فترة الطوارئ الوطنية.

التطور المنجز..

لقد فاض انسياب المياه في نهر الغانج منذ حصول الهند على استقلالها. وخلال الفترة الواقعة ما بين 1950-1951 كانت المساهمات في الناتج المحلي الإجمالي الهندي من قبل قطاعات الزراعة والصناعة والخدمات 56 بالمئة و15 بالمئة و29 بالمئة على التوالي كما وظفت الزراعة أكبر قوى عاملة بنسبة 72 مع توفير أعمال التصنيع والخدمات 10 بالمئة و18 بالمئة على التوالي يمثل قطاع الخدمات اليوم 54 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي الهندي  و1000 جامعة. أكثر من 250 مليون طفل يذهبون إلى المدارس اليوم في الهند وما يقرب من 40 مليون مسجل في جامعاتنا.

لقد نجت الهند من جائحة مدمرة نادرة لـ كوفيد 19 في هذا القرن وانكمش اقتصادها بنسبة 7.3 بالمئة في السنة المالية 2020-2021 وقد يكون من العزاء أن هذا الانكماش كان أقل من الاقتصادات الكبرى الأخرى. ووفقاً لاحدث التقديرات المتاحة فإن معدل نمو الناتج المحلي الاجمالي للفترة 2021-2022 مثبت عند 8.7 وهو ما يجب رؤيته في سياق انكماش 7.3 بالمئة في العام السابق.

ترتبط الهند ببعضها البعض كأمة عظيمة بقوة واستقرار ديمقراطيتها وسيادة القانون والتنوع المذهل لسكانها من حيث الدين واللغة والثقافة والمناخ والتاريخ والجغرافيا والعديد من الأمور الأخرى. عند أول إحصاء سكاني في الهند عام 1951 كان الهندوس 305 ملايين 84.1 بالمئة والمسلمون 35.4 مليوناً 9.8 بالمئة والمسيحيون 8.3 ملايين والسيخ 6.86 ملايين 1.9 بالمئة. وفي عام 2022 يقدر عدد السكان بـ 1090 مليون هندوس 79.80 بالمئة و200 مليون مسلم 14.23 بالمئة و31.2 مليون مسيحي 2.3 بالمئة و23.7 مليون سيخي 1.72 بالمئة و9.6 ملايين بوذي 0.70 بالمئة و5.1 ملايين من الجانيين 0.37 بالمئة و9.1 ملايين 0.66 بالمئة من ديانات أخرى و3.3 ملايين 0.24 بالمئة ديانات غير مذكورة. هناك مليونان من المعابد الهندوسية و300000 مسجد نشط و8114 معبداً للجانيين والأديرة والأبراج والمعابد وحوالي 35 معبداً يهودياً… الخ.

وفي وقت الاستقلال توقع الكثيرون أن الهند سوف تنقسم إلى أجزاء على أساس الطائفة والعقيدة والقبيلة واللغة والثقافة وما إلى ذلك لكنها ظلت موحدة وأقوى من أي وقت مضى. وتأتي بعده الصناعة والزراعة بنسب 25.92 بالمئة و20.19 بالمئة على التوالي.

كان متوسط الأعمار المتوقع عشية الاستقلال 32 عاماً. لقد مضى الآن ما يقارب 70 عاماً. ففي عام 1950 كان معدل وفيات الرضع في الهند 145.6 لكل 1000 ولادة حية وكانت نسبة وفيات الأمهات في الأربعينيات 2000 لكل 100000 ولادة حية والتي انخفضت إلى 1000 في الخمسينيات.

كان هناك 50000 طبيب فقط في جميع أنحاء البلاد وكان عدد مراكز الرعاية الصحية الأولية 725. اليوم معدل وفيات الرضع 27.7 لكل 1000 ولادة ومعدل وفيات الأمهات 103 لكل 100000. والهند الآن لديها أكثر من 1.2 مليون طبيب. ويوجد 54.618 مركزاً صحياً فرعياً “SHC” و21.898 مركزاً صحياً أولياً “PHC” و4.155 مراكز للصحة الأولية الحضرية “UPHC” كما هو بتاريخ الـ 8 من كانون الأول 2021 ويوجد ما يصل إلى 70.000 مستشفى عام وخاص.

اعتباراً من الـ 5 من نيسان 2022 كان هناك 117.771 من مراكز آيوش مان بهارات Ayushman Bharat للصحة والعافية (برنامج الصحة المجانية) AB-HWCS تعمل في الهند باستثناء 748 مستشفى الكترونياً تم إنشاؤها في جميع أنحاء البلاد كجزء من مبادرة “الهند الرقمية” من قبل الحكومة.

أما بالنسبة للتعليم فعندما غادر البريطانيون الهند كان هناك 210.000 مدارس ابتدائية و13.600 مدرسة إعدادية و7.416 مدارس ثانوية عليا في الهند إضافة إلى 498 كلية و27 جامعة أما اليوم فيوجد 1.6 مليون مدرسة و42.343 كلية.

آفاق المستقبل..

في السنوات العشر الماضية وعلى الرغم من تراجع معدلات النمو منذ عام 2016 حتى انتعاش الاقتصاد هذا العام وعبء البطالة الكبير يطارد صانعو السياسات في الدولة إلا أن هناك ثورة هادئة تجري في مجال التكنولوجيا والرقمنة والابتكار بقيادة الشركات الهندية الشابة والتي أعطت حملة الاعتماد على الذات (Atmanibharta) زخماً لها.

وكان لأحدث الأبحاث حول الاقتصاد الهندي في السنوات العشر الماضية من قبل المحلل (Ruchir sharma) بعض الاكتشافات المثيرة.

وفي عام 2011 كان لدى الهند 55 مليارديراً بثروة تراكمية قدرها 256 مليار دولار أمريكي والتي كانت تعادل 13.5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي للهند. وبعد عشر سنوات في عام 2021 أصبح في الهند 140 مليارديراً بثروة تراكمية 596 مليار دولار أمريكي تعادل 19.6 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.

ويضيف السيد شارما إن 110 من هؤلاء هم من المليارديريين الجدد الذين تم تكوينهم خلال العقد الماضي فقط.

وفي وقت الاستقلال كانت الهند سادس أكبر اقتصاد في العالم.

وفي عام 2021 احتفظت بنفس الترتيب الذي لا يعني الإنجاز مع تضاعف عدد سكان الهند بأكثر من أربعة أضعاف.

على الرغم مما ورد أعلاه فلا يوجد مجال للرضا عن النفس لأن

(أ) لا يزال لدى الهند عدد كبير من السكان يعيشون تحت خط الفقر والذي يقدره البنك الدولي بـ 140 مليوناً أي 10 بالمئة من السكان

(ب) قد لا يكون القطاعان الرسمي وغير الرسمي قادرين على استيعاب العدد الكبير من الشباب المتعلمين الذين يتخرجون من الكليات (تقدير عام 2022 هو 10.76 ملايين..

(ج) ستظل العوامل الخارجية والداخلية تطارد مؤسسة السياسة في جهودها لتحقيق معدل نمو إجمالي للناتج المحلي من رقمين وهو ما تحتاج إليه الهند الآن.

ومع ذلك فإن الهند تتمتع أيضاً بالعديد من المزايا (1) متوسط عمر أقل من 30 عاماً (2) حكومة قوية تتمتع بالتركيز (3) سوق متنامية و(4) شباب هندي مبدع.

وإذا استمرت الهند في سعيها لبناء وتعزيز بنيتها التحتية وحافظت على تماسك المجتمع وانسجامه وارست التوازن في التماسك والانسجام والذي يمكن التنبؤ به في صياغة السياسات وتنفيذها فسوف يكون من الممكن ضمان مستقبل أكثر إشراقاً للأجيال القادمة.

السفير أ- آر- غاناشيام هو دبلوماسي هندي متقاعد عمل سفيراً للهند لدى أنغولا

انظر ايضاً

75 عاماً من الهند التقدمية المتقدمة.. بقلم: السفير انيل تريغونايات

75 عاماً من الهند الحرة المليئة بالإنجازات الهائلة.. بات هذا الأمر ملحوظاً بشكل كبير وكان …