الشريط الأخباري

سياسة الضغوط القصوى تولّد فشلاً أقصى-بقلم: عبد الرحيم أحمد

على مدى ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب مارست الولايات المتحدة ما أطلقت عليه اسم “سياسة الضغوط القصوى” ضدّ إيران، خصوصاً بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي الذي تمّ التوصل إليه عام 2015 في عهد الرئيس باراك أوباما بمشاركة الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن زائد ألمانيا، لكن هذه السياسة ولّدت فشلاً ذريعاً وأدت إلى نتائج عكسية صبّت بمعظمها في مصلحة طهران.

السياسة التي اتبعها الرئيس ترامب خلال ولايته محاولاً فرض شروط جديدة على إيران عبر تشديد الحصار والضغوط، استمرت في عهد الرئيس جو بايدن، لكنها لم تثمر في التأثير على مواقف إيران وقدراتها، وها هي واشنطن تتراجع مع إعلان كبير المفاوضين النوويين الإيرانيين علي باقري كاني أن المحادثات لإعادة العمل بالاتفاق النووي، ستجري نهاية تشرين الثاني الجاري بهدف رفع العقوبات غير القانونية واللاإنسانية التي فرضتها واشنطن على طهران.

فسياسة الضغوط القصوى التي مارستها واشنطن تحت عنوان “التفاوض أو الانهيار الاقتصادي” ضدّ طهران كادت أن تتسبب باندلاع حرب عقب اغتيال واشنطن اللواء قاسم سليماني، وردّ طهران بقصف قاعدة عين الأسد الأميركية في العراق. وهذه السياسة باءت بالفشل الذريع وفق ما يراه المحللون السياسيون وصناع القرار في الولايات المتحدة، فظهرت أصوات تطالب واشنطن بالعودة للمفاوضات مع طهران حول الاتفاق النووي الذي تصرّ إيران على عدم القبول بتعديله.

الإعلان عن موعد بدء المحادثات تزامن مع إعلان القوات المسلحة الإيرانية إحباطها محاولة أميركية لقرصنة ناقلة نفط إيرانية في خليج عمان، رواية أكدها مسؤولون أميركيون وإن اختلفت روايتهم للحادث، وبدأت الأوساط السياسية والإعلامية الأميركية تطالب إدارة بايدن بتقديم تنازلات لإيران للعودة إلى الاتفاق النووي في إقرار واعتراف واضح بفشل “سياسة الضغوط القصوى” التي مارستها واشنطن ضدّ إيران وذهبت في الاتجاه المعاكس، وأسهمت في عزل الولايات المتحدة بدلاً من إيران كما ذكرت صحيفة نيوزويك الأميركية.

لكن اليمين الأميركي المتطرف الذي تقف وراءه “إسرائيل” يحاول جرّ واشنطن إلى حرب لا تعرف نتائجها في منطقة متفجرة بالمشاكل والحروب، وهذه المحاولات ظهرت على شكل مقالات، منها ما كتبه المسؤول الأميركي السابق في عدة إدارات أميركية دنيس روس الذي دعا في مجلة فورين بوليسي الأميركية، إدارة بايدن إلى التلويح الجدي بالحرب ضدّ إيران بهدف ردعها، لكنه نسي أن طهران لاتخشى الحرب والتهديد بها، فهي تدرك جيداً مصادر قوتها ونقاط ضعف خصمها.

الولايات المتحدة لا ترغب، وربما لا تستطيع رغم تفوقها العسكري، شنّ حرب ضدّ إيران لأن دون ذلك عقبات كبرى تحسب واشنطن حسابها بدقة، فهي غير قادرة على تحمل تكبد الجيش الأميركي خسائر فادحة وهذا سيحصل في أي حرب قادمة.

فرغم التفوق الجوي الأميركي والأسلحة عالية الدقة التي يمكن أن تحقق لواشنطن مكاسب في الحرب، لكنها لا تضمن النصر لها في ظلّ امتلاك إيران أنظمة دفاع جوي متطورة وحديثة، كما أنّ منشآتها النووية محصنة في أعماق الأرض بشكل جيد، ومن غير الممكن تدميرها، ناهيك عن قدرات إيران الصاروخية القادرة على استهداف القواعد الأميركية في المنطقة، فما جرى في قاعدة عين الأسد في العراق 2020 مجرد بروفة بسيطة لما يمكن أن يحدث للقوات الأميركية المنتشرة في قواعد الخليج في أي حرب قادمة.

لاشكّ أن واشنطن تمتلك ذراعاً تدميرية بعيدة المدى عبر أساطيلها وأدواتها ما يجعلها قادرة على توجيه ضربات موجعة لخصومها، لكنها مع إيران تعلم جيداً أنها تستطيع بدء الحرب لكنها لا تستطيع أن تنهيها، لذلك فإن التحريض “الإسرائيلي” المستمر والقلق الذي ينتاب بعض صناع القرار في واشنطن و”تل أبيب” سيستمر وسط تراجع خيارات واشنطن العسكرية والسياسية مقابل تنامي القوة والإرادة لدى دول إقليمية فاعلة ومنها إيران، وما على أدوات الولايات المتحدة في المنطقة سوى أن تفهم الرسالة جيداً.

انظر ايضاً

القضاء على الجوع.. مسار أم “نكتة”؟ بقلم: عبد الرحيم أحمد

هل العالم يريد فعلاً القضاء على الجوع -كما يدّعي- في المؤتمرات الأممية التي تعقدها منظمة …