ليلة إسقاط كابول- بقلم: منهل إبراهيم

كيفما نظرت إلى الأمر فإن ما حدث في أفغانستان خلال الأيام القليلة الماضية كان من ضرب الخيال ليس لأنه لا يمكن الحدوث بل لأنه حدث على هذه الشاكلة… خذوا الميدان يا (طالبان) ولكم الحكم.. ويبدو أن حصة أميركا والناتو محفوظة لقادمات الأيام… وأميركا باتت لا تعرف سوى قيادة العربات من الخلف.

لا شيء جديد تحت شمس أفغانستان .. فقط طالبان تتحرك تحت الشمس.. وكانت قبل أيام تتحرك في الظلام بلا غطاء سياسي أو وجودي هرباً من ضربات جوية مزعومة… وها هي تسيطر في أفغانستان كحركة ما تغيرت لكنها بكل تأكيد من ضمن التركة الأميركية الثقيلة بالنسبة للشعب الأفغاني.

ليلة (إسقاط كابول) كانت دراماتيكية فالرئيس الأفغاني فر من البلاد والجيش ورجال الشرطة الذين يقارب عددهم 300 ألف اختفوا بلمح البصر ولم يدافعوا عن عاصمتهم.. وأميركا تستعجل الخروج تاركة خلفها أشلاء ضحاياها القديمة والجديدة الممزقة على حديد طائراتها.

قبل 20 عاماً كان السيناريو عكس مشهد اليوم.. أميركا تطيح بحركة طالبان وتسيطر على أفغانستان تحت ذريعة محاربة الإرهاب.. يتكرر المشهد بعد 20 عاماً ولاحظوا .. (قبيل ذكرى أحداث 11 أيلول).. في الأمر مفارقة عجيبة يجب الوقوف عندها … فحركة طالبان تعود إلى السلطة.. وأميركا تعزف سيمفونيات الوداع والنهاية على أشلاء ضحاياها ودمائهم القديمة والجديدة.

مهما قيل من كلام.. ومهما أطلقت من أوصاف فإن ما حدث يخبرك أن أميركا قد أعطت التوكيل للحركة للنيابة عنها.. ولا تعير واشنطن أذناً ولا اهتماماً إن قيل عنها هُزمت.. وأن كابول لا تختلف كثيراً عن سايغون في فيتنام.

ولن أطيل في البحث والدلالة لأقول عن أميركا والناتو إنهم غزاة .. ويكفي توصيفاً ما قاله الرئيس الأميركي جو بايدن في خطابه “ما نراه يُثبت أن ما من قوة عسكرية يمكنها تغيير مجرى الأحداث في أفغانستان المعروفة بأنها مقبرة الغزاة”… نعم أنتم غزاة يا جو…. لكنكم إما أن تتركوا غزوكم لوكلائكم بعد إضعاف وقتل الدولة وإما أن تذيقكم الدول الصلبة مرارة الهزيمة الحقيقية التي لم تتجرعوها بعد لا في أفغانستان ولا في فيتنام…. ما بعد إسقاط كابول ليس كما هو قبلها فـ (طالبان) تستحوذ الآن على السلطة..ولا يعقل أن تتخلى وتغادر أميركا أفغانستان دون “صفقة تحت الطاولة” مع الحركة تضمن تفاهمات محددة تحمي مصالحها.

وأقول في النهاية إن من يراهن على تغير حركة طالبان كمن يراهن على تغير قانون شروق الشمس وغروبها… فقط يمكننا القول لا جديد تحت الشمس في أفغانستان… ولا بد من التذكير أن المجتمع الأفغاني فسيفساء صعبة وليس سهلاً تطويعه والسيطرة عليه وخطأ تكتيكي بسيط قد يكون سبباً كافياً لحرب أهلية دامية لا يعلم أحد إن دارت متى ستنتهي رحاها وإلى أين ستصل.

انظر ايضاً

رسائل الغرب الاستفزازية-بقلم: منهل إبراهيم

أشد ما ينسف فكرة الحوار وبلوغ الحلول على الصعيد العالمي هو استعداء الآخرين، والطامة الكبرى …